فصل: سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام وخبره مع بحيراً الراهب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير **


 تسميته محمداً وأحمد

روينا عن أبي جعفر محمد بن علي من طريق ابن سعد قال أمرت آمنة وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميه أحمد‏.‏

وروينا عن ابن اسحق فيما سلف أنها أتيت حين حملت به فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة وفيه ثم سميه محمداً‏.‏

وروينا من طريق الترمذي ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ثنا سفيان عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي وصححه وقال في الباب عن حذيفة‏.‏

وروى حديث جبير البخاري ومسلم والنسائي سيأتي الكلام على بقية الأسماء إن شاء الله تعالى‏.‏

وذكر أبو الربيع بن سالم قال ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمداً لرؤيا رآها زعموا أنه رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض فكذلك سماه محمداً مع ما حدثته به أمه‏.‏وروينا عن أبي القاسم السهيلي رحمه الله لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين سمعوا بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وبقرب زمانه وأنه يبعث بالحجاز أن يكون ولداً لهم ذكرهم ابن فورك في كتاب الفصول وهم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمر بن عوف بن مالك بن الأوس والآخر محمد بن حمران وهو من ربيعة وذكر معهم محمداً رابعاً أنسيته وكان آباء هؤلاء الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك الأول وكان عنده علم بالكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وباسمه وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملاً فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد ذكر أن يسميه محمداً ففعلوا ذلك‏.‏

وروينا عن القاضي أبي الفضل عياض رحمه الله في تسميته عليه السلام محمداً وأحمد قال في هذين الاسمين من بدائع آياته وعجائب خصائصه أن الله جل اسمه حمى أن يسمي بهما أحد قبل زمانه أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك وكذلك محمداً أيضاً لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده أن نبياً يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالاته وهم محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ومحمد بن مسلمة الأنصاري ومحمد بن براء البكري ومحمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمران الجعفي ومحمد بن خزاعي السلمي لا سابع لهم ويقال إن أول من سمي به محمد بن سفيان واليمن تقول محمد بن اليحمد الأزدي ثم حمى الله كل من سمي به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له حتى تحققت السمتان له ولم ينازع فيهما والله أعلم‏.‏وما يتصل بذلك من شق الصدر روينا عن ابن سعد قال أنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال حدثني موسى ابن شيبة عن عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك عن برة بنت أبي تجراة قالت أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياماً قبل أن تقدم حليمة وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد‏.‏

أخبرنا أبو العباس الساوي بقراءة والدي عليه قال أنا أبو روح المطهر بن أبي بكر البهيقي سماعاً عليه قال أنا أبو بكر الطوسي قال أنا أبو علي الخشنامي قال أنا أحمد بن الحسن النيسابوري قال أنا محمد بن أحمد قال أنا محمد ابن يحيى ثنا محمد بن عبيد ثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي قال قلت يا رسول الله مالك لا تنوق في قريش ولا تتزوج منهم قال وعندك قلت نعم ابنة حمزة قال تلك ابنة أخي من الرضاعة‏.‏

قرأت على أبي النور إسماعيل ابن نور بن قمر الهيتي بسفح قاسيون أخبرك أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلي قراءة عليه وأنت تسمع قال أنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البناء قال أنا أبو نصر محمد بن محمد الزينبي قال أنا أبو بكر محمد بن عمر بن علي الوراق ثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا أبو موسى عيسى بن حماد زغبة قال أنا الليث عن هشام بن عروة عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم حبيبة أنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هل لك في أختي ابنة أبي سفيان وفيه قالت فوالله لقد أنبئت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة قال ابنة أبي سلمة قالت نعم قال فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وإياها ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن الحديث‏.‏

وذكر الزبير أن حمزة أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين‏.‏

وحكى أبو عمر نحوه وقال وهذا لا يصلح عندي لأن الحديث الثابت أن حمزة وعبد الله بن عبد الأسد أرضعتهما ثويبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين‏.‏

قلت وأقرب من هذا ما روينا عن ابن اسحق من طريق البكائي أنه كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين والله أعلم‏.‏

واسترضع له من بني سعد بن بكر امرأة يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب وكانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر قالت وفي سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً قالت فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة لبن وما ننام ليلتنا أجمع مع صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلاآخذنه قال لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء من لبن وشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها الحافل فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا رياً وشبعاً فبتنا بخير ليلة يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك ثم خرجت وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حمرهم حتى أن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك اربعي علينا أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله إنها لهي فيقلن والله إن لها لشأناً قالت ثم قدمنا منازلنا من بني سعد ولا أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبناً فلم يزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً فقدمنا به إلى أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته فكلمنا أمه وقلت لها لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة فلم نزل به حتى ردته معنا فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي عبد الله قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه قالت فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً منتقعاً لوجهه قال فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا مالك يا بني قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو قالت فرجعنا به إلى خيامنا وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قلت لقد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه فأديته عليك كما تحبين قالت ما هذا شأنك فأصدقني خبرك قالت‏:‏ فلم تدعني حتى أخبرتها قالت أفتخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لبني لشأناً أفلا أخبرك خبره قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة‏.‏

قال السهيلي وذكر غير ابن اسحق في حديث الرضاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل إلا على ثديها الواحد وتعرض عليه الآخر فيأباه كأنه قد أشعر أن معه شريكاً في لبانها وكان مفطوراً على العدل مجبولاً على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وسلم‏.‏

ويروى أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ورأت أمي حين حملت بي أنه قد خرج منها نور أضاء له قصور الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهماً لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجاً فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبي وباطني بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم فقال دعه عنك فلو وزنته بأمة لوزنها‏.‏

وفي رواية فاستخرجا منه مغمز الشيطان وعلق الدم‏.‏

وفيها وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن‏.‏

قوله في هذا الخبر وما في شارفنا ما يغديه قيل بالدال المهملة من الغداء وقيل بالمعجمة وقال أبو القاسم وهو أتم من الاقتصار على ذكر الغداء دون العشاء‏.‏

وعند بعض الناس يعذبه ومعناه ما يقنعه حتى يرفع رأسه وينقطع عن الرضاع يقال منه عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه والعذوب وجمعه عذوب بالضم لا يعرف فعول جمع على فعول غيره قاله أبو عبيد انتهى كلام السهيلي رحمه الله وأنشدني أبي رحمه الله لبعض العرب يهجو قوماً بات ضعفهم‏:‏ بتنا عذوباً وبات البق يلبسنا نشوى القراح كأن لاحي بالوادي وذكر في فعول غير عذوب وحكى ذلك عن ‏"‏ كتاب ليس ‏"‏ لان خالويه‏.‏ وقوله أدمت بالركب حبستهم وكأنه من الماء الدائم وهو الواقف‏.‏

ويروى أذمت أي الأتان أي جاءت بما تذم عليه أو يكون من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء‏.‏

وقوله يسوطانه يقال سطت اللبن أو الدم أو غيرهما أسوطه إذا ضربت بعضه ببعض والمسوط عود يضرب به‏.‏

وقوله مغمز الشيطان هو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى بن مريم وأمه لقول أمها حنة إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ولأنه لم يخلق من مني الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس قال السهيلي ولا يدل هذا على فضله عليه السلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن محمداً عندما نزع ذلك منه ملئ حكمة وإيماناً بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد‏.‏

وقد روى أنه عليه السلام ليلة الإسراء أتى بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغ في قلبه وأنه غسل قلبه بماء زمزم فوهم بعض أهل العلم من روى ذلك ذاهباً في ذلك إلى أنها واقعة واحدة متقدمة التاريخ على ليلة الإسراء بكثير‏.‏

قال السهيلي وليس الأمر كذلك بل كان هذا التقديس وهذا التطهير مرتين الأولى في حال الطفولية لينفي قلبه من مغمز الشيطان والثانية عندما أراد أن يرفعه إلى الحضرة المقدسة وليصلي بملائكة السموات ومن شأن الصلاة الطهور فقدس باطناً وظاهراً وملئ قلبه حكمة وإيماناً وقد كان مؤمناً ولكن الله تعالى قال ‏"‏ ليزداد الذين آمنوا إيماناً ‏"‏‏.‏

رجع إلى الأول‏:‏ وانطلق به أبو طالب وكانت حليمة بعد رجوعها من مكة لا تدعه أن يذهب مكاناً بعيداً فغفلت عنه يوماً في الظهيرة فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته فقالت في هذا الحر فقالت أخته يا أمه ما وجد أخي حراً رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع تقول أمها أحقاً يا بنية قالت أي والله قال تقول حليمة أعوذ بالله من شر ما نحذر على ابني فكان ابن عباس يقول رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين وكان غيره يقول رد إليها وهو ابن أربع سنين وهذا كله عن الواقدي وقال أبو عمر ردته ظئرة حليمة إلى أمه بعد خمس سنين ويومين من مولده وذلك سنة ست من عام الفيل وأسلمت حليمة بنت أبي ذؤيب وهو عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قبيصة ابن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن‏.‏

قال أبو عمر روى زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار قال جاءت حليمة ابنة عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه‏.‏

روت عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها ابنها عبد الله بن جعفر‏.‏

قرئ على أبي العباس أحمد ابن يوسف الصوفي وأنا أسمع سنة ست وسبعين قال أنا أبو روح البهيقي سماعاً عليه سنة خمس وستمائة قال أنا الإمام أبو بكر محمد بن علي الطوسي قراءة عليه ونحن نسمع قال أنا أبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي قال أنا أبو بكر أحمد بن الحسن النيسابوري قال أنا أبو علي محمد بن أحمد الميداني قال أنا أبو عبد الله محمد بن خالد بن فارس ثنا أبو عاصم النبيل عن جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة عن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحماً بالجعرانة وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه فقعدت عليه فقال من هذه قال أمه التي أرضعته‏.‏

هكذا روينا في هذا الخبر وكذا حكى أبو عمر بن عبد البر عن حليمة بنت أبي ذؤيب أنها أسلمت وروت ومن الناس من ينكر ذلك‏.‏وحكى السهيلي أنها كانت وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بعد تزويجه خديجة تشكو إليه السنة وأنا قومها قد أسنتوا فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأساً من غنم وبكرات‏.‏

وذكر أبو إسحاق بن الأمين في استدراكه على أبي عمر خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش التي أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وذكر غيره فيهن أيضاً أم أيمن بركة حاضنته عليه السلام‏.‏

 الخبر عن وفاة أمه آمنة بنت وهب

وحضانة أم أيمن له وكفالة عبد المطلب إياه

قال ابن اسحق فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه ينبته نباتاً حسناً لما يريد به من كرامته فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة قال أبو عمر بن عبد البروقيل ابن سبع سنين قال وقال محمد بن حبيب في الخبر توفيت أمه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين وقال وتوفي جده عبد المطلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهراً سنة تسع من عام الفيل وقيل أنه توفي جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين‏.‏

رجع إلى ابن اسحق قال وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة إلى مكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول ذلك الفراش حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم‏:‏ دعوا بني فوالله إن له لشأناً ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع‏.‏

قرأت على أحمد بن محمد المقدسي الزاهد أخبرك أبو اسحق إبراهيم بن عثمان عن محمد بن عبد الباقي عن أحمد بن الحسن قال أبو اسحق وأنا أحمد بن محمد بن علي بن صالح قال أنا أبو بكر أحمد بن الحسين قالا أنا أبو علي بن شاذان قال أنا ابن درستويه قال أنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو الحسن مهدي ابن عيسى قال أنا خالد بن عبد الله الواسطي عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه قال حججت في الجاهلية فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يقول‏:‏ رد إلي راكبي محمداً أردده رب واصطنع عندي يدا قال قلت من هذا قال عبد المطلب بن هاشم بعث ابن ابنه في إبل له ضلت وما بعثه في شيء إلى جاء به قال فما برحت حتى جاء بالإبل معه قال فقال يا بني حزنت عليك حزناً لا يفارقني بعده أبداً قالوا وكانت أم أيمن تحدث تقول كنت أحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول يا بركة قلت لبيك قال أتدري أين وجدت ابني قلت لا أدري قال وجدته مع غلمان قريباً من السدرة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة وأنا لا آمن عليه منهم وكان لا يأكل طعاماً إلا قال علي بابني فيؤتى به إليه‏.‏

وروينا عن ابن سعد قال أنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال حدثني الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري عن ابن لعبد الرحمن بن موهب ابن رباح الأشعري حليف بني زهرة عن أبيه قال حدثني مخرمة بن نوفل قال الزهري قال سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف تحدث وكانت لدة عبد المطلب قال تتابعت على قريش سنون ذهبن بالأموال وأشفين على الأنفس قالت فسمعت قائلاً يقول في المنام يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم وهذا إبان خروجه وبه يأتيكم بالحيا والخصب فانظروا رجلاً من أوسطكم نسباً طوالاً عظاماً أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار جعداً سهل الخدين رقيق العرنين فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون فإنكم ستسقون فأصبحت فقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب فاجتمعوا إليه وخرج من كل بطن منهم رجل ففعلوا ما أمرتهم به ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام فتقدم عبد المطلب وقال لاهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنات إمائك وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف وأشفت على الأنفس فأذهب عنا الجدب وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية وبرسول الله صلى الله عليه وسلم سقوا فقالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف‏:‏ بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جونى له سبل دان فعاشت الأنعام والشجر مناً من الله بالميمون طائره وخير من بشرت يوماً به مضر مبارك الأمر يستسقي الغمام به ما في الأنام له عدل ولا خطر وفاة عبد المطلب وكفالة أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن عبد المطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف في حقيقتها قال أبو الربيع ابن سالم أدناها فيما انتهى إلي ووقفت عليه خمس وتسعون سنة ذكره الزبير وأعلاها فيما ذكره الزبير أيضاً عن نوفل بن عمارة قال كان عبيد بن الأبرص ترب عبد المطلب وبلغ عبيد مائة وعشرين سنة وبقي عبد المطلب بعده عشرين سنة وكانت وفاته سنة تسع من عام الفيل وللنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ثمان سنين وقيل بل توفي عبد المطلب وهو ابن ثلاث سنين‏.‏

حكاه أبو عمر‏.‏

وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلك جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب وكان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون وذلك أن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأم فكان أبو طالب هو الذي يلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده فكان إليه ومعه‏.‏

وذكر الواقدي أن أبا طالب كان مقلاً من المال وكانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة فيبدو إليها فيكون فيها ويؤتى بلبنها إذا كان حاضراً بمكة‏.‏

فكان عيال أبو طالب إذا أكلوا جميعاً وفرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول كما أنتم حتى يأتي ابني فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم وإن كان لبناً شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم ثم تناول القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده فيقول أبو طالب إنك لمبارك‏.‏

وكان الصبيان يصبحون شعثاً رمصاً ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهيناً كحيلاً وقالت أم أيمن وكانت تحضنه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا جوعاً قط ولا عطشاً وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شبعان‏.‏

 سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام وخبره مع بحيراً الراهب

وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله عليه السلام قبل النبوة

قال أبو عمر سنة ثلاث عشرة من الفيل وشهد بعد ذلك بثمان سنين يوم الفجار سنة إحدى وعشرين‏.‏

وقال أبو الحسن المارودي خرج به عليه السلام عمه أبو طالب إلى الشام في تجارة له وهو ابن تسع سنين‏.‏

وذكر ابن سعد بإسناد له عن داود بن الحصين أنه كان ابن اثنتي عشرة سنة ‏.‏

قال ابن اسحق ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام فلما تهيأ للرحيل صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً أو كما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيراً في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ ذط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابراً عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيراً وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا به قريباً من صومعته يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريباً منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيراً نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبيدكم وحركم فقال له رجل منهم والله يا بحيراً أن بك اليوم لشأناً ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً ما شأنك اليوم قال له بحيراً صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنة في رحال القوم فلما نزل بحيراً في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا له يا بحيراً ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سناً فتخلف في رحالهم قال لا تفعلوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم فقال رجل من قريش واللات والعزى إن كان للؤماً بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم فلما رآه بحيراً جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيراً فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيراً ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسألني باللات والعزى شيئاً فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما فقال له بحيراً فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيراً من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا أن نفراً من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رأى بحيراً في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيراً في ذلك وذكرهم الله تعالى وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفاته وأنهم إن جمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه‏.‏

قوله فصب به رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبابة رقة الشوق وصببت أصب وعند بعض الرواة فضبث به أي لزمه قاله السهيلي‏.‏

وروينا من طريق الترمذي ثنا الفضل بن سهل أبو العباس الأعرج البغوي ثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح قال أنا يونس بن أبي اسحق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال الأشياخ من قريش ما علمك فقال إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاماً فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قالوا أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا له إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوا بالصفة فيقتلونه فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا قال أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا قال فبايعوه وأقاموا معه قال أنشدكم بالله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالاً وزوده الراهب من الكعك والزيت‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏.‏

قلت ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في الصحيح وعبد الرحمن بن غزوان أبو نوح لقبه فراد انفرد به البخاري ويونس بن أبي اسحق انفرد به مسلم ومع ذلك ففي متنه نكارة وهي إرسال أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً وكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر بأزيد من عامين وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم تسعة أعوام على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره أو اثنا عشر ما قاله آخرون وأيضاً فإن بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً فإنه كان لبني خلف الجمحيين وعند ما عذب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر رضي الله عنه رحمة له واستنقاذاً له من أيديهم وخبره بذلك مشهور‏.‏

وقوله فبايعوه إن كان المراد فبايعوا بحيراً على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم فقريب وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو‏.‏رجع إلي خبر ابن اسحق وكان صلى الله عليه وسلم يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره أنه قال لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاراً وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذا لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال شد عليك إزارك قال فأخذته فشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي‏.‏

قال السهيلي وهذه القصة إنما وردت في الحديث الصحيح في بنيان الكعبة كان صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة وإزاره مشدود عليه فقال له العباس يا بن أخي لو جعلت إزارك على عاتقك ففعل فسقط مغشياً عليه ثم قال إزاري إزاري فشد عليه إزاره وقام يحمل الحجارة‏.‏

وفي حديث آخر أنه لما سقط ضمه العباس إلى نفسه وسأله عن شأنه فأخبره أنه نودي من السماء أن اشدد عليك إزارك يا محمد قال وإنه لأول ما نودي‏.‏

قال وحديث أبي اسحق إن صح محمول على أن هذا الأمر كان مرتين في حال صغره وعند بنيان الكعبة‏.‏

وذكر البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين‏.‏

وقد قرأت على أبي عبد الله بن أبي الفتح الصوري بمرج دمشق‏:‏ أخبركم أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني سماعاً عليه قال أنا أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر بن أحمد الإسفراني قال أنا أبو الحسين محمد ابن مكي بن عثمان الأزدي قال أنا القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن اسحق الحلبي ثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي ببغداد ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ثنا وهب بن جرير ثنا أبي عن محمد بن اسحق‏.‏وبه قال وحدثني محمد بن عبد الله بن قيس ابن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله عز وجل منها قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان تزوج فلانة لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فأخبرته ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك فسمعت مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيني فما أيقظني إلا مس الشمس ثم رجعت إلى صاحبي فقال لي ما فعلت فقلت ما فعلت شيئاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما هممت بغيرهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته‏.‏

وذكر الواقدي عن أم أيمن قالت كانت بوانة صنماً تحضره قريش وتعظمه وتنسك وتحلق عنده وتعكف عليه يوماً إلى الليل في كل سنة فكان أبو طالب يحضره مع قومه ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك قالت حتى رأيت أبو طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوباً فزعاً فقلنا ما دهاك قال إني أخشى أن يكون بي لمم فقلنا ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان وكان فيك من خصال الخير ما كان فما الذي رأيت قال إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه قالت فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ صلوات الله عليه وسلامه‏.‏